الحاج حسين الشاكري

458

علي في الكتاب والسنة والأدب

الأول في توجيه سياسة المال توجيهه سياسة الحكم والسلطان . وإنما إقبال الدنيا عليه وإدبارها عنه سيان . . ما أتاه من عروضها كما ولى عنه ، وما ولى كما أتاه ، كلاهما لا يساوي مثل خردلة ، لا يهفو منها إلى شئ ، ولا يهتم منها بشئ ، ولا يثق منها في شئ ، بل هو كما يقول : " أوثق بما في يد الله منه بما في يده " ، وهو غني عنها لأنه على إغرائها عزيز ، وبملكها مستهين ، وعن نشبها راغب ، وهو - اعتزازا بقدره - تحصن بمعقل القنوع والتأبي والزهد دون سطوة إغرائها ، وزخرف عطائها فلم يشغله عن وعيه بزيف دعوتها ، وتفه أمرها ، وهو إن شأنها على الله شاغل ولو كان مجرد أمنية تراود الخيال . فكأنما كان شعاره حكمته المعروفة : " من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهواته . . " . وهو ، إلى زهده ، أكرم وأسخى من يحسبون في عداد الكرام الأسخياء ومن عرفهم الكرم والسخاء ، ولعله كان أسخى لأنه كان أزهد ، أو لعله كان أزهد لأنه كان أسخى ، فهو يخرج مما يملك عن قنوع وزهادة كما يخرج منه عن سخاء وجود . إنه لا يسخو فقط وماله كثر يفيض عن حاجته ، بل يسخو وماله أيضا قل ، وأقل القل ، يضيق عن البذل ، ولا يحمل الكل ، وينوء بأغث ضرورات حياته حتى ليوشك ألا ينهض بأوده وأود عياله . وهل كانت الدنيا كلها تساوي - في حسابه - سوى قلامة ظفر أو قدر صفر لا يجدي عليه أن يأخذ منها ، ولا ينقصها أن ينفق ؟ فلماذا إذن يضن وهو الذي ضرب للناس بفعله مثلا للبذل ، ودعا الكرام إلى محاولة سلوك مسلكه ، حين اليسر وحين العسر على السواء ، وسعهم اللحاق به على النهج أو لهثوا دون أن يقطعوا نفس شوطه ؟